الشباب العربي و الفعل الاحتجاجي: المغرب نموذجا قراءة في الوسائل و الخطاب



محمدابوالقاسم


يقول الباحث الأنثربولوجي عبد الله زارو: "إن السلوك الاحتجاجي ظاهرة صحية وحضارية، صحية لأنها دالة على أن الجسم الاجتماعي لا يزال يشتغل، بما يعنيه ذلك من قُدرة على الإحساس والتفاعل مع المحيط، وهي حضارية لأنها تكشف عن نفسها وتمارس بالعلن. ويبدو أن الاتجاه في الاحتجاج المرح الذي لا يبحث عن تغيير العالم بقدر بحثه لأصحابه عن موطئ قدم في هذا العالم كما هو في ذاته، أقول هذا الاحتجاج هو الذي بدأ في التبلور ببطء ولكن بثقة في أجندة الاحتجاج الاجتماعي المغربي".

وفق دراسة أجراها المجلس الوطني لحقوق الإنسان:" الاحتجاج هو واحد من وسائل التعبير وإبداء الرأي الأربعة المتمثلة في وسائل فردية ووسائل جماعية ووسائل شفهية وأخرى مكتوبة، وهي وسائل رغم ما يبدو عليها من انفصال عن بعضها فإنها، على الأخص، في حالة الاحتجاج تتداخل بحيث يتم الجمع بين التعبير الشفهي أو التصويري، وذلك بالإضافة إلى أن الاحتجاج يتم مصحوبا بهذه الوسائل التعبيرية في الشارع العام، في شكل وقفة أو اعتصام أو مسيرة أو تجمع خطابي، على مرأى ومسمع ممن حضره."

قد نص عليه الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بشكل ضمني بالمادة 19 التي جاء فيها "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي إلتماس الأنباء والأفكار، ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود،" كما أن دستور فاتح يوليوز 2011 ، الذي كان إحدى الأجوبة الرئيسية للنظام على الاحتجاج الذي قاده شباب حركة 20 فبراير، خصص لحرية التعبير أربعة فصول من 25إلى29

وقد تتخذ أشكال الاحتجاج أو الاعتراض عدة صور، حسب كل حالة سواء فردية أو جماعية طلابية، عمالية، نسائية، محلية ، وطنية، ذات مطالب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية. و تتنوع وسائلها بين المسيرات و الاعتصام و رفع الشعارات و البيانات و الإعلام و وسائط التواصل الاجتماعية.

و لا يعتبر الاحتجاج بالمغرب معطى جديدا، بل شهد المغرب الحديث عدة احتجاجات في عهد الاستعمار ضدا على سياسته التي لا تخدم مصالح المغرب. و بعد الاستقلال استمرت الحركات الاحتجاجية و التي كان يغذيها الصراع على السلطة و كيفية تدبيرها و ممارستها، و كذا بعض الأزمات الاقتصادية و الاجتماعية التي فجرت الشارع المغربي في سنوات 1958، 1965، 1973، 1981 و1984 و1990...و حسب دراسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان عرفت هذه الحركات الاحتجاجية تطورا كميا ونوعيا خلال السنوات الأخيرة، إذ تم خلال الفترة الممتدة تسجيل ما بين فاتح يناير و 31 أكتوبر 2008 تنظيم ما مجموعه 5508 تجمعا، بمشاركة حوالي 330 ألف مواطن.

وتتصدر عمالة الرباط قائمة المدن فيما يتعلق بممارسة حرية التجمع والتظاهر، حيث بلغ عدد التجمعات المنظمة بها خلال الفترة المشار إليها 1660 تجمعا، تليها عمالات وأقاليم الدار البيضاء (323 تجمعا)، مكناس (209)، آسفي (197)، طاطا (119)، جرادة (113)، العيون (111)، طنجة- أصيلا (105)، بني ملال (103)، الناظور (100)، وعرفت 48 عمالة وإقليما أخرى تجمعات يقل عددها عن 100 تجمع على صعيد كل منها (التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2008) .

و في إطار الحراك العربي قامت أهم حركة احتاجية شهدها عهد حكم محمد السادس تمثلت في حركة 20 فبراير التي كان لها صدى وطني كبير و لازالت تحتفل بتاريخ خروجها للشارع و في الآونة الأخيرة حراك الريف. و لقد اتسمت هذه الحركات بطابعها السلمي و اعتمادها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى جانب الاعتصام و المسيرات و الشعارات.

و في ضوء ذلك نطرح تساءلين رئيسين:

ما هي الوسائل التي اعتمدها الشباب المغربي للاحتجاج (المطلب الأول)

ما هي مضامين الخطاب الاحتجاجي (المطلب الثاني)

المطلب الأول: استعمل الشباب المغربي وسائل متنوعة للتعبير عن احتجاجه و إسماع صوته:

بعدما فشلت كل القنوات الرسمية و التقليدية في إسماع صوت الشباب و إشراكه و دمجه في الحياة السياسية، و جعله فاعلا حقيقيا في السياسيات العمومية استغلت هذه الفئة الاجتماعية المهمة الطفرة النوعية التي عرفتها وسائل تكنولوجيا الاتصال، خاصة الشبكات العنكبوتية و ما منحته من خيارات الهروب من الرقابة على حرية رأيه. كما استعمل الشارع كفضاء عام لعرض مطالبه و آرائه.

الفقرة الأولى: مواقع التواصل الاجتماعي

كثرت التحاليل والتفسيرات في العالم العربي بخصوص دور شبكات التواصل الاجتماعي، كأدوات فعالة ساهمت في التغييرات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية. وبناء على هذه المعطيات، فقد ساهمت هذه الشبكات الاجتماعية في تحفيز المواطنين على أخذ زمام المبادرة في عملية التغيير السياسي، بدلا من الحركات العمالية والأحزاب السياسية التي فشلت في خلق وإدارة عملية التغيير السياسي ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية.

من زاوية التحليل السياسي، فإن المراقب والمتتبع لمجريات الأحداث في بلدان "الربيع العربي" يجد نفسه محاطا بمجموعة من التساؤلات المشروعة، حول الدور السياسي الذي قامت و ما تزال تقوم به مواقع التواصل الاجتماعي في بعض البلدان العربية، خاصة وأننا سمعنا هنا وهناك تسميات من قبيل "ثورة الفيسبوك" و "ثورة تويتر".

لا يخفى على أحد أن نتائج التطور التقني والتقدم العلمي الذي تعرفه البشرية، حولت العالم إلى قرية صغيرة ذات أبعاد كونية عابرة للجغرافيا والثقافة والتاريخ. عالم تتداخل فيه العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية، إلى درجة أن الحديث عن مسألة السيادة الوطنية واستقلالية القرار السياسي والاقتصادي، لم تعدو كونها تنتمي إلى الماضي القريب. ومن بين عوامل تثبيت أواصر مكونات هذه القرية الكونية نجد الشبكة العنكبوتية المعروفة باسم "الانترنت"، بأدواتها المتنوعة، والتي تتطور أشكالها يوما بعد يوم، ومساهمتها في جعل العالم مسطح على حد تعبير "توماس فريدمان". وفي قلب هذه الشبكة العنكبوتية شبكات التواصل الاجتماعي (خاصة الفيسبوك facebook و تويترtwitter ) التي يعتبرها البعض كتجسيد واقعي للمواطنة العالمية، لأنها تعمل على ترسيخ فلسفة حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية. تطور نظر إليه البعض، بأن له انعكاسات مهمة لكونه بدأ يتدخل في هندسة الشؤون السياسية، كسلطة خامسة تتنافس مع الإعلام التقليدي والسلطات السياسية، في عملية إدارة و توجيه الرأي العام، سلطة جديدة تتجاوز الآليات السياسية التقليدية، وتخلق بالمقابل أرضية ديمقراطية على شاكلة ساحة الأغورا Agora عند قدماء اليونان. كما تستطيع هذه السلطة الهروب من عقال الرقابة والتضييق.

أكيد، أن هذا الواقع الإلكتروني وقوامه شبكات التواصل الاجتماعي، قد أحدث تغييرا في موازين القوى بين المواطن والسلطة، عبر تقوية فاعلية الفرد في مواجهة السلطة، وهذه الفاعلية أخذت شكلين رئيسي.

الشكل الأول، يكمن في القدرة على الولوج إلى المعلومة، فمن يملك المعلومة يملك قدرا من السلطة، لأنه يكون قادراً على إحداث تأثير معين. ففي حين، كانت السلطة السياسية للدولة تملك المعلومة وتتحكم في تدفقها، وبالتالي تصب في اتجاه تكريس سلطتها وتسويق إيديولوجيتها. أتاحت الشبكات الاجتماعية، للأفراد العاديين الوصول إلى المعلومات بشتى أنواعها، إلى الدرجة التي لا يمكن للدولة تجاهلها أو التحكم فيها. بل أهم من ذلك، جعلت من المواطن العادي مناضلا سياسيا عبر إبداء الرأي في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. اليوم، أصبحت الدولة تواجه باستمرار ضغط الرأي العام المدعوم من سلطة العالم الافتراضي. و بالتالي، أصبح الفرد عبر وسائل التواصل الاجتماعي أداة رقابية وتوجيهية مؤثرة في سياسات وقرارات المؤسسة السياسية.

الشكل الثاني، يتمثل في القدرة على الحشد؛ إذ دفعت هذه الوسائل بالأفراد العاديين إلى المشاركة في الحراك السياسي عبر تبادل وتشارك الأفكار و المعلومات،وهو ما أدى إلى مراكمة عناصر القوة لدى الأفراد في مواجهة السلطة السياسية القائمة. و الحقيقة، أن تجاوز الفرد لحواجز الخوف من السلطة والقيود التي فرضت عليه من قبل، تعني حدوث تغير نوعى في الحالة النفسية للفرد، نقلته من حالة اليأس والخوف إلى حالة الفاعلية والأمل في تحسين هذه الوضعية .

و المغرب لم يشد على هذا المسار التطوري لتكنولوجيا الاتصال الحديثة، فلقد بلغ عدد المشتركين المغاربة في شبكة الإنترنت 10,32 مليون مشترك، ويزداد هذا العدد نموًا بنسبة %61,4 سنويًا، بحسب ما جاء في تقرير الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات خلال ماي2015.

فالعديد من الدراسات تشير إلى أن موقع الفيسبوك أو ما يعرف "بالمارد الأزرق" لعبا دوراً هاماً في عملية تحريك الحركات الاحتجاجية. ففي أحداث سيدي ايفني و الحسيمية مؤخرا كان للفيسبوك بشكل خاص وظيفة فعالة في تسريع الأحداث و تطورها، و تعبئة الرأي العام، و الشباب خاصة حول ما يقع، و كسبت تعاطفا وطنيا، تمثل في تنظيم مسيرة تضامنية مع المحتجين في الريف، شاركت فيها كل الأطياف الحزبية و النقابية و المدنية و الحقوقية.

لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من كونها مواقع للتواصل الاجتماعي وبناء العلاقات وتكوين الصداقات، وتبادل الطرائف والأحاديث الجانبية، إلى مواقع يستغلها مرتادوها ونشطاؤها للتداول السياسي بغية التعبير عن واقع حياتهم، وظروف معيشتهم وهمومهم المشتركة. و هكذا تحولت هذه المواقع وبالأخص "الفيسبوك" من الطابع الاجتماعي البحث، الذي من أجله أنشئت، إلى الطابع السياسي المؤثر، وترصد كيف تحول نشطاء الانترنت ممن اعتادوا على قضاء معظم أوقاتهم خلف شاشات الكمبيوتر و في غرف الشات والدردشة والفيسبوك، إلى موج بشري هادر في الشوارع والطرقات والميادين يهتفون بأعلى صوتهم ويرددون بصوت واحد "الشعب يريد إسقاط النظام" أو " ارحل".

لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه لولا الإعلام الاجتماعي لما كان الحراك سواء العربي أو المغربي. إلا أنه كان من الممكن أن ما حدث سيتأخر لسنوات أخرى.

في البداية أتاحت الشبكات الافتراضية تحركاً احتجاجياً ضمن حيز ضيق جداً. لكن هذا التحرك تنامى بشدة خلال فترة وجيزة. وفي الفترة التي سبقت موجة الاحتجاجات على وجه الخصوص، ازداد عدد مستخدمي الشبكات الاجتماعية بشكل كبير. تقرير الإعلام الاجتماعي العربي يستعرض هذا النمو من حيث العدد بشكل واضح.

لقد ساهمت الصور والفيديوهات على وجه التحديد بوضوح في ذروة الاحتجاج الذي اتخذ الشارع مسرحا له بخاصة بعض الصور، التي تظهر التدخل المفرط إلى حد التعسف في كثير من الفترات لقوات الأمن وانتشرت عبر الفيسبوك ومواقع أخرى مثل يوتيوب Youtube، في خلق تعاطف محلي و وطني و دولي، كما كان لتلك الصور تأثير على استعداد الناس للنزول إلى الشارع غير آبهين بأن يصابوا أو يُقتلوا حتى. و إلى جانب السخط المتزايد تلاشى حاجز الخوف لدى المواطنين في نهاية المطاف.

بالمجمل العام أدى الإعلام الاجتماعي إلى أن يشعر الناس أنهم جزء من حركة الاحتجاجات، فاختاروا الخروج ككتلة جماعية من العالم الافتراضي إلى العالم الحقيقي من خلال النزول إلى الشوارع والساحات العامة.

ونظرا لخطورة الدور الذي يلعبه الفضاء الافتراضي، لجأت السلطات في كثير من المناسبات إلى ممارسة التعتيم على شبكة الإنترنت و فرملة صبيبها من اجل قطع الطريق على النشطاء لنقل أو تتبع ما يجري .

ختاما يمكن التأكيد، على أن دينامية الحراك السياسي، ونسمات القيم الديمقراطية التي تهب على المنطقة، لم تكن صنيعة شبكات التواصل الاجتماعي، بل إن هناك عوامل أخرى داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية، ساهمت بقوة في تغيير الواقع السياسي. لكن بالمقابل، فان هذا لا يقصي الدور المهم الذي لعبته وسائط التواصل الالكتروني في نقل الأحداث وبلورة الأشكال النضالية و تحريض الشارع .

الفقرة الثانية: الوقفات، المسيرات، الاعتصام و الإضراب عن الطعام:

عندما ينزل المحتجون إلى الشارع للتعبير عن موقفهم المعارض تجاه قضية ما قد يختارون بين القيام بمسيرات في شارع ذي رمزية معينة، إما لارتباطه بحدث تاريخي ما أو شخصية ما أو أنه حاضن لمؤسسة حكومية ما "مثل شارع محمد الخامس الذي يحتضن البرلمان" أو أمام وزارة العدل أو أمام مقر المجلس الوطني لحقوق الإنسان... ساحة الشهداء بالحسيمة أو مقر العمالة أو الولاية بالأقاليم أو الاكتفاء بتنظيم وقفة لمدة معينة ترفع فيها الشعارات أو تقرأ فيها البيانات أو يتم فيها عرض التطورات التي تشهدها الساحة بخصوص القضية موضوع الاحتجاج. و قد يختار المحتجون الإعتصام إما في الشارع العام أو في ساحة معينة أو بإدراة معينة بعد اقتحامها، كما كان الحال مع الأطر العليا المعطلة التي كانت تقدم على اقتحام الأمانة العامة للحكومة و ذلك لتسجيل الاعتراف بها من قبل السلطات عن طريق محضر يثبت الواقعة يتم توقيعه من قبل المكتب التنسيقي للمجموعة من جهة، و ممثل السلطة من جهة ثانية. و كذا واقعة الاعتصام بالمقر المركزي لحزب الاستقلال يوليوز 2011 و الذي دام عدة أيام، و تم اختيار المقر حزب الاستقلال لأنه هو الذي كان يقود الأغلبية الحكومية أنذاك برئاسة عباس الفاسي. و الاعتصام الذي كان مسرحه ملحق وزارة التربية الوطنية بشارع بن تومرت و الذي انتهى بوفاة أحد المعتصين" المدعو عبدالوهاب زيدون الذي كان منتميا لمجموعة الأطر العليا “المقصية من محضر 20 يوليوز”.. بعدما أن حاول فك الحصار عن رفقائه بالتهديد باحراق الذات إلا أن مآله كان مأسويا .

و قد يختار المحتجون أو بعض منهم الإضراب عن الطعام و يطلق عليها إعلاميا معركة الأمعاء الخاوية … هو الامتناع طوعية عن الأكل، ويستخدم هذا النوع من الإضراب غالباً في السجون كشكل للاحتجاج السياسي، وكذلك كوسيلة من المقاومة السلمية أو الضغط، حيث يكون المساهمون فيه صائمين ممتنعين عن الطعام، أو ربما لإشعار الآخرين بالذنب وما يصاحبه من غاية لتحقيق هدف معين، ومعظم المضربين عن الطعام لا يضربون عن السوائل بل يضربون عن الطعام الصلب فقط. وقد أُستخدم الإضراب كوسيلة من وسائل الاحتجاج في من قبل المعتقلين على خلفية حراك الريف كادت أن تؤدي بحياة أحدهم " ربيع الأبلق ".

و الملاحظ أن الحركات الاحتجاجية بالمغرب منذ احداث فاس 1990 قطعت مع العنف. فلم يعد العنف بالضرورة أحد ميكانيزمات الحركات الاحتجاجية، يتسم الاحتجاج اليوم بالمغرب بقيم جديدة لا تخلو من إبداع، وتدل على وجود تنظيم اجتماعي أكثر عقلانية، بعد تخلصه من غرائز العنف والهدم والتدمير التي قد تؤدي إلى انزلاقات كثيرة. و هو ما يتجلى في حمل الشارات، و إشعال الشموع وحمل الورود وارتداء ملابس خاصة للتعبير عن مطالب محددة، إلى تكميم الأفواه و المشي حفاة في الشارع و قرع الأواني المنزلية و رفع اللافتات و الشعارات التي تغذي حماس المحتجين و تذكرهم بغاية و أهداف خروجهم و احتجاجهم.


تلك بعض نماذج الشعارات التي رفعت من قبل المحتجين في شوارع الرباط و الحسيمة و الدارالبيضاء و بعض المدن الأخرى .
يعد الشعار من الناحية السياسية مضمونا يلخص مطلبا أو يعبر عن موقف أو حاجة، يريد الذين يرفعونه أن يبلغوها للطرف الآخر، الذي عليه أن يستوعب هذا المضمون ويستجيب لهذا المطلب ويعي هذا الموقف. ومن الناحية الوظيفية هو شكل من أشكال التعبئة والتحريض، إضافة إلى ذلك هو آلية من آليات التوعية السياسية والتعبئة الاجتماعية لا يستغني عنها أي شكل من أشكال التظاهر والاحتجاج. ليست الشعارات المرفوعة في الوقفات الاحتجاجية والمسيرات السلمية للجموع الغاضبة مجرد صوت فيزيائي، إنها تثمل صرخة الغاضبين ذات حمولة تعبيرية و تواصلية تحمل رسالة إلى من يعنيهم الأمر... إنها الوقود الأساسي لجمع الحشود والأتباع كما قال أحمد كوكاس؛ و هي طقس جماعي.. في كل شعار لا بد من قائد أوركسترا كما في أيّ سمفونية، يحرص على انتظام الأداء الجماعي المصاحب لأيّ حراك..
الشعار هو اختزال لطموح، تجسيد لشحنات انفعالية تتجه نحو المستقبل؛ فهو يحمل قيما، ويعتبر أيقونة دالة عليها، وهو رمز للتحدي واستعادة الأفراد ثقتهم في القدرة على إحداث التغيير في مجريات الواقع، مثل الشعار الذي رفعه أوباما في حملته الانتخابية: "نعم نستطيع، yes we can" " ، وهو ذاته الشعار الذي رفعته الحركة الجديدة بإسبانيا البيديموس التي تعني "نستطيع"، أو الشعار الذي رفعه المناضل الزنجي مارتن لوثر كينغ "لدي حلم i have a dream"..
الشعارات هي إنجيل الاحتجاج، جورنال الشارع العام، وهي ذات طابع خلاصي، مطعمة بروح التحدي "..
الشعارات أداة حشد الجماعة ، تجمع، تذكي الحماس، مع كل هدير للغاضبين بالشعارات يقشعر جلد المتظاهر أو المحتج أو المتفرج على الحشود العامة، الشعارات تمحي الفوارق وسط الجموع المحتشدة، توحدها، حين ترتفع الحناجر بصوت واحد وعلى إيقاع شعار موزون/ مقفى، يجعل المرء يخرج كل طاقته الفيزيائية للصراخ بأعلى حنجرته؛ لأن الذي يجب أن تبلغه الرسالة، يُفترض دوما أنه موجود هنا.. حاضر في جهة ما. لذلك هناك من يحرص على وحدة الشعارات، وتوحيد أصوات الجماعات على شعار واحد، يريد للصراخ الغاضب أن يكون حدثا جللا، ذا وقع الآن وهنا، فأصبح مكبر الصوت أداة ضرورية في كل احتجاج جماعي...
في قلب هذا الاحتجاج تنتعش الشعارات المكتوبة على شكل لافتات، أو المرسومة على أقمصة المتظاهرين بإيجاز وتكثيف لغوي محمل بدلالات كثيرة، أو شفهيا يتردد على لسان الجموع المحتشدة، منه من يحمل مطالب فئوية لمجموعات القضايا بعد خفوت صوت الأحزاب التي استكانت لأدوار تقليدية وتخلت عن امتدادها الاجتماعي، ومنه من يحمل مطالب وطنية تتوخى رفع الظلم والتهميش والمطالبة بالحق في الكرامة والإنصاف..
في الحقل الدلالي العام، هناك شعارات لا تموت، تظل لصيقة بوجدان الجماعة، كل جيل يمنح الحياة لذات الشعار، وهناك شعارات لا تتجاوز دائرة الجماعة الصغيرة التي رفعتها وتستسلم بعدها للنسيان، برمزيتها وإيقاعها الموسيقي، بسهولة انتقالها بين الجموع والأجيال، وقدرتها على التعبير عن مطالب أعم لا تفنى، تتأثر الشعارات بالخيال الجمعي للأمة المنتجة لها والصادحة بها، وهو ما يمدها بصيرورة الحياة.
إن الاحتجاج هنا آلية للممارسة السياسية الشعبية أكثر تأثيرا من النشاط الانتخابي ومن التصويت الذي لم يعد يؤثر على صناعة القرار السياسي أو في تمثيل المواطنين... فاحتلال المحتجين بشكل يومي في المغرب لمساحات واسعة من الفضاء العام وأمام أمكنة ذات رمزية سياسية: عمالة أو ولاية، برلمان، وزارة أو مؤسسة عمومية، هو الذي يسهم الآن في ترسيخ ثقافة المواطنة، وينزع عن الاحتجاجات الاجتماعية الطابع الغرائزي والدموي.. وتستهدف الشعارات هنا توحيد الجماعة حول قضية "جماهير شاركونا مصيركم مصيرنا".
الفقرة الرابعة: التفاوض و المذكرات المطلبية
بعد ما تشعر الدولة بأن الحركة الاحتجاجية تتمتع بزخم و نفس و قوة تعبوية، و ذكاء في تصريف الجهد، و شد انتباه الرأي العام الوطني و الدولي، و تحسن استغلال وسائل الإعلام الحديثة تبدأ في إطلاق مسار للتفاوض و الحوار مع من تعتبرهم قياديين ميدانيين للحركة الاحتجاجية. النضال صراع داخل المجتمع. حرب مفتوحة بين طالب الحق وبين محتكره أو منتهكه ومن بين وسائل تدبير ذلك الصراع هو التفاوض.
لذلك فإن مفاهيم التكتيك والإستراتيجية ضرورية للدخول في التفاوض و ضبطها يساعد على تحقيق المكتسبات و المطالب التي حركت الاحتجاج. و إذا كان التكتيك يعني مجموع طرائق عمل معينة لكسب هدف آني معين وملموس في ظرفية سياسية معينة، و تحقيق مطالب محددة، فإن الإستراتيجية: هي الاهتمام بتوافق التكتيك مع مجمل الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع، وتحديد اتجاه الوسائط النضالية وتأمين توافقها مع الوسائط الأخرى، الاقتصادية والسياسية والمعنوية. باختصار التكتيك طريقة لربح المعركة بينما الإستراتيجية تكثف مجمل الخطة العامة لربح الحرب. فمثلا النضال لمنع إجراء مباراة توظيف وإقناع المعطلين بلا جدوى المباريات ذات المناصب المحدودة يدخل من باب التكتيك، بينما مجمل النضال العام من أجل الوظيفة العمومية يعتبر إستراتيجية حركات النضال ضد البطالة.
كخلاصة لهذا المطلب يمكن القول بأن الفعل الاحتجاجي لدى الشباب المغربي أصبح وسيلة لا غنى عنها لإسماع صوته و التعبير عن مواقفه مستعملا كل الوسائل السلمية، خاصة وسائل تكنولوجيا الاتصال الحديثة متجاوزا كل القنوات التقليدية التي تعاني من التحفظ و الرقابة. و ما يميز أيضا الفعل الاحتجاجي الشبابي بالمغرب هو خطاباته و مضمون شعاراته التي تحمل دلالات كبيرة عن تغيير حقيقي في الثقافة السياسية لدى الشباب و عن وعي قوي بما يجري حوله من تحولات كبيرة يرفض أن يكون موضوعا لها فقط؛ فهو يبحث دائما ان يكون فاعلا محركا للتغيير. و هو ما سوف نعرض له في المطلب الموالي.
المطلب الثاني: قراءة في مضامين خطاب الاحتجاج : الترأجح بين التشخيص و اقتراح الإصلاح و المشاركة فيه:
يعد تحليل الخطاب من الحقول المعرفية التي استفادت منها العلوم السياسية و الاجتماعية لفهم مجموعة من الظواهر و سلوكيات الفاعلين في حقل سياسي معين . من هنا تأتي أهمية تسليط الضوء على مضامين خطاب الاحتجاج و الرسائل التي يحملها و يريد التسويق لها. و إذا ما أردنا تصنيف تلك الرسائل يمكن وضعها تحت عنوانين أو محورين. الأول هدفه تشخيص الوضع المتأزم الذي أدى إلى الاحتجاج من خلال رفع شعارات رافضة له و مستنكرة إياه (الفقرة الأولى). أما المحور الثاني يندرج فيه شعارات تحمل مطالب إصلاحية تنوعت بين السياسي و الاجتماعي (الفقرة الثانية). الفقرة الأولى: استنكار و رفض الواقع:



من خلال هذه الشعارات يتضح أن المحتجين يرفضون الفوارق الصارخة بين الطبقات الاجتماعية: ففي المغرب هناك طبقة غنية جدا و تزداد غنى و هي قلة و التي يرمز لها هنا بالسكن في فيلا، التي هي مؤشر مادي ملموس على اليسر، و في المقابل هناك طبقة فقيرة رمز لها بالبراكة التي تعد مؤشرا على الفقر و الحرمان. و سبل الارتقاء الاجتماعي مغلقة في وجه الشباب الطموح. فالتعليم في المغرب مثلا يكرس تلك الفوارق حيث أن الأسر الغنية و الميسورة تنفق على أبناءها في مدارس خصوصية ذات جودة عالية من أجل الحصول على شهادات تسهل ولوجها لسوق الأعمال و الشغل و الحصول مناصب سامية في الوظيفة العمومية، أما الطبقة الفقيرة فلا تجد أمامها إلا المدارس العمومية التي تعاني من عدة مشاكل بنيوية على كافة المستويات مما يؤثر سلبا على جودة تعليمها و تكوينها، مما يصعب ولوج خريجها إلى سوق الشغل، فتفقد الأسر المغربية ثقتها في المنظومة التربوية الوطنية. بالإضافة إلى ذلك الغالبية من المغاربة لا يستطيعون امتلاك منزل خاص إلا عن طريق قروض تنهك الميزانية الأسرية و تضيق من خياراتها على مستوى الغذاء و التعليم و الصحة لعقود عديدة.

الشباب في الحركات الاحتجاجية يستنكرون من خلال شعاراتهم الأوضاع الاجتماعية التي يعيشونها و تعيشها أسرهم و الغالبية الكبرى من المغاربة. فهم يستنكرون العديد من ظواهر و مؤشرات تلك الأوضاع و العوامل المسببة لها. و بسبب تلك الفوارق تساءل محمد السادس في خطاب العرش 2014 "أين الثروة؟" فهو يعلم بأن الهوة بين الطبقات الاجتماعية التي تزداد اتساعا تهدد السلم الاجتماعي.

يستنكر الشباب من خلال شعارات الاحتجاج رداءة و سوء جودة الخدمات الاجتماعية على رأسها الصحة و التعليم. شهدت العديد من المناطق النائية بالمغرب خروج مسيرات احتجاجية للساكنة المحلية بسبب وفاة العديد من النساء الحوامل أو عدم توفير الشروط الضرورية لهن. كثرت حالات الأمهات التي يضعن مواليدهن أمام المستشفيات و المراكز الصحية. و هي الأخبار التي كانت تتناقلها العديد من المواقع و الصحف الالكترونية و حتى الورقية.

بالإضافة إلى عدم توفر العديد من الجهات و الجماعات الترابية على المرافق الصحية و التعليمية. فأحد الأسباب القوية التي كانت وراء حراك الريف هو ضعف البنية التحية في هذين القطاعين الحساسين.

و ضع تؤكده كذلك التقارير الوطنية حيث أعلن ” التقرير الوطني حول السياسة السكانية ” قبل أن تصل حكومة عبد الإله بنكيران إلى السلطة، أن نسبة الفقر بالمغرب وصلت إلى تسعة عشرة في المائة (19 %) وإن سبعمائة وثمانين ألف (780000) أسرة تعيش فقرها المدقع في تجمعات سكنية غير لائقة، بأحياء الصفيح وبمساكين هامشية. وأن تراجع نسبة نمو الدخل الفردي بالمغرب متواصلة، وتعود أساسا إلى السياسات الفاشلة/ إلى الجفاف وفقدان العمل والبطالة طويلة الأمد والمرض المزمن والترمل والطلاق وغيرها. وأن سكان العالم القروي، أكثر فقرا من سكان العالم الحضري، وأن جهات في وسط وشرق وغرب المغرب هي الأكثر تضررا من الفقر . كما أن الأسر التي تعيلها النساء والأطفال تعد الأكثر فقرا.

وتقدر مصادر مغربية شبه رسمية، أن عدد السكان الفقراء الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد، قد يتراوح في المغرب الراهن ما بين سبع ملايين نسمة، يمثل سكان العالم القروي منهم حوالي سبعين في المائة( 70 %).

وتفيد العديد من البحوث العلمية حول الفقر في المغرب الراهن، أن الدخل الفردي للمغاربة تطور بوثيرة منخفضة خلال التسعينات من القرن الماضي. ويمكن اعتبار ارتفاع البطالة في المدن خلال الفترة الراهنة إشارة واضحة لانخفاض دخل الأسر المغربية، خاصة تلك التي يكون الراتب الشهري هو المورد الوحيد الذي تعتمد عليه الأسرة في تلبية حاجياتها الأساسية.

وضع يمس بحقوق الإنسان الأساسية و بالتالي تمس بحقه في الكرامة. فيتولد الإحساس بالاهانة و الاحتقار و هو ما عبر عنه الشباب المحتج برفعهم و ترديد شعار:



الشباب يستنكرون "الحكرة" و التي ترمز كما يقول سعيد بنيس:" في العربية المغربية إلى الاحتقار و الاستعلاء من قبيل "حنا لمغاربة حكارة"، "ݣنس حكار"، "حكرتيني" ... انتقل معنى المفردة إلى معنى "اللامساواة الاجتماعية" و "الظلم الاجتماعي" عبر انزلاق دلالي ("glissement sémantique") هم قنوات التداول الخاصة ( "sociolecte") داخل شبكة المجتمع المدني. يرمز مفهوم الحكرة في هذا الحقل الدلالي إلى الحقوق المدنية و الاجتماعية التي تجمع بين بالمطالب المادية والمعنوية مثل الحق في الصحة، في الشغل، في التمدرس، في اللغة، في المساواة، في الاحترام، في الكرامة...

و يشكل مفهوم الحكرة النقيض الأمثل لمفهوم "الكرامة" و "الاحترام" وكذلك لمفهوم المساواة المرتكز على مبدأ المواطنة بدون تمييز أو إقصاء بالنظر إلى اللون أو العقيدة أو العرق أو اللغة أو الجنس أو المستوى التعليمي أو التراب ..."

هذا الوضع و الإحساس الذي يعيشه الشباب المغربي هو الذي جعل من حقوق الإنسان خاصة الحق في الكرامة إحدى تمثلاتهم و تصوراتهم لمفهوم الديمقراطية، و بأن إحدى مداخل التحول الديمقراطي في تصورهم هو تكريم الإنسان و رفض أي احتقار سواء كان لفظي أو مادي. و هو ما يعكسه رفع شباب الريف شعار:

"عاش الشعب عاش عاش ****المغاربة ماشي أوباش"

و هي إحالة على العبارة التي استعملها الحسن الثاني ناعتا بها أهل الريف عقب الاحتجاجات التي عرفتها مدن الشمال و مراكش 1984، و المعروفة أيضا بانتفاضة الخبز أو انتفاضة الجوع أو انتفاضة التلاميذ، هي مجموعة من الحركات الاحتجاجية اندلعت في 19 يناير 1984 في مجموعة من المدن المغربية، و بلغت ذروتها في مدن الحسيمة و الناضور و تطوان و القصر الكبير و مراكش. اندلعت الأحداث في البداية عبر مظاهرات تلاميذية، قبل أن تنخرط فيها شرائح اجتماعية أخرى. جاءت الاحتجاجات في سياق اقتصادي تميز ببداية تطبيق المغرب لسياسة التقويم الهيكلي المفروضة من طرف صندوق النقد الدولي بسبب عجز المغرب عن سداد أقساط الديون التي بدمته لصالح الصندوق، و التي كان من تداعياتها ارتفاع كلفة المعيشة و تطبيق رسوم إضافية على التعليم. ووجهت الاحتجاجات بعنف أمني كبير و اعتقالات واسعة. و هي كلمات بقيت موشومة في الذاكرة الجماعية لأهل الريف انتقلت إلى شبابه اليوم، الذي أعلن رفضه و استنكاره لهذا النعت لأنه يمس بالكرامة و عزة النفس.

و لم يكتفي الشباب فقط بتشخيص الوضع و رفضه و استنكاره، بل حاول من خلال شعار:" الشعب يريد اسقاط الفساد" لفت انتباه الرأي العام و المسؤولين إلى وعي الشباب بأنهم يعرفون أن وراء ما يعيشونه من أوضاع معيشية مزرية و الحكرة و غياب احترام حقوق الإنسان هو استشراء الفساد على كافة المستويات. و لقد اقترن شعار "الشعب يريد إسقاط الفساد" بشعار "الشعب يريد إسقاط الاستبداد"، لأنهما وجهان لعملة واحدة. فالاستبداد ينتج الفساد ويحميه؛ والفساد يكرس الاستبداد ويعمل على تأبيده. و من مظاهر هذا الفساد هو غياب الشفافية في الصفقات العمومية و استفحال ظاهرة الرشوة في جميع القطاعات و في غياب الحكامة الرشيدة في صرف الميزانيات و تدبير المؤسسات العمومية الاقتصادية الكبرى، كثرة قضايا الاختلاسات المالية و تبديد المال العام و تفشي اقتصاد الريع ، و هو ما تعكسه المرتبة 90 التي يحتلها من بين 180 دولة وفق تقرير"منظمة الشفافية الدولية" و تقارير المجلس الأعلى للحسابات و تقارير لجان تقصي الحقائق.

و بما أن التشخيص لا يكون له معنى دون تحديد المسؤولين و محاسبتهم فقد طالب شباب الحركات الاحتجاجية بضرورة محاسبة من كان سببا في تفشي الفساد و إعاقة التنمية البشرية المستدامة.

الفقرة الثانية: المطالبة بمحاسبة المسؤول عن تردي الواقع:

يعيش المغرب مفارقة كبيرة على مستوى ربط المسؤولية بالمحاسبة فرغم أنه يتوفر على مجموعة من القوانين لتكريس مبادئ المساءلة والشفافية في إطار حماية المال العام مثل القانون الإجباري للتصريح بالممتلكات ومدونة المحاكم المالية وقانون مناهضة جرائم غسل الأموال، كما أن القانون الجنائي الحالي الذي يتضمن بابا مستقلا يهم زجر الجرائم المالية واستغلال النفوذ والرشوة و العديد من المؤسسات الوطنية لتخليق الحياة العامة، مثل الهيئة المركزية لمناهضة الرشوة ومجلس المنافسة، دون إغفال الدور الذي يقوم به المجلس الأعلى للحسابات في الكشف عن الإختلالات في العديد من المؤسسات الوطنية و المجالس الجماعية.

لا زال السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ما هي القيمة الحقيقية لهذه الترسانة التشريعية والمؤسسات الوطنية في ظل غياب سيادة القانون و مناهضة الإفلات من العقاب. الشيء الذي جعل الشباب المغربي يفقد الثقة في شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي رفعته العديد من الأحزاب السياسية.

من بين المشاهد التي أثارت انتباه المتتبع للاحتجاجات التي عرفها المغرب سواء مع حركة 20 فبراير أو حراك الريف هو حمل المحتجين لبعض صور المسؤولين الكبار في الدولة، يعتبرونهم الشباب بأنهم يتحملون المسؤولية كاملة عن الوضع المتأزم الذي يعيشع المغرب، خاصة توقف مسلسل الدمقرطة و بناء دولة الحق و القانون. فرفعت شعارات قوية تطالب برحيل رموز الفساد و مناهضة الإفلات من العقاب لمرتكبي جرائم نهب المال العام والحق في الكرامة، والانتفاع من ثروات البلاد ومواردها الطبيعية، وهو ما أثر على الوعي الحقوقي بمسألة حماية المال العام لدى الشباب المغربي و تشبته بتخليق الحياة العامة وتفعيل آليات المحاسبة والمساءلة في تدبير الشأن العام وإعمال مبدأي الشفافية والنزاهة في الصفقات العمومية و تدبير المال العام، وتحريك المتابعة الجنائية في حق رموز الفساد الاقتصادي الذين يستفيدون من ثقافة الريع. فرفعت عبارات معبرة تحمل دلالات عميقة سواء باللغة العربية مثل "ارحل" أو باللغة الانجليزية مثل « go out » أو باللغة الفرنسية مثل « Dégage » . فإذا كان الشباب في مصر و تونس و سوريا قد طالب باسقاط النظام و رفعوا شعار ارحل في وجه الرؤساء، الشباب المغربي اكتفى بطلب الرحيل من بعض من يظنهم رؤوس و رموز الفساد و الاستبداد. لأنهم يعتقدون بأن رحيل هؤلاء و محاسبتهم هي الخطوة الأولى على مسار إصلاح الوضع، و هو ما عبر عنه من خلال بعض شعاراته.

الفقرة الثالثة: دعوات الإصلاح:

إذا كان الهدف الرئيسي نظريا من التحول الديمقراطي هو إصلاح وضع يتميز بعدة اختلالات على كافة المستويات، فإن الحركات الاحتجاجية الشبابية عكست من خلال الشعارات التي رفعتها هذه المعادلة أو العلاقة التي تربط بين الإصلاح و التحول الديمقراطي. ففي مواجهة الاحتكار و استغلال النفوذ من اجل الاغتناء طالب الشباب بضرورة فصل السلطة عن الثروة.

فأغلب المجتمعات الديكتاتورية التي كانت تجمع ما بين المال و السلطة احتكرت السلطة السياسية و المالية و هذا الذي أدى إلى الاحتكار الاقتصادي، فالأشخاص الذين يتوفرون على احتكار السياسي و يريدون ترجمته إلى احتكار اقتصادي يبحثون على المجالات التي يتوفرون فيها على امتياز القرابة من السلطة من أجل تحقيق الأرباح و الخروج من القطاعات التنافسية، و هذا يفسر بالسلطوية و ليس العكس.

هذا الوضع انعكس سلبا على الوضع الاجتماعي و الاقتصادي للبلاد و ترتب عنه الفقر و مجتمع غير عادل و هشة لحمته، مما يرفع من المخاطر التي تهدد السلم الاجتماعي به.

تاريخيا كانت أغلب الثورات تطالب بإعادة توزيع الثروات و إعادة توزيع فرص خلق الثروات، فالمطالب الشعبية جراء الحراك الشعبي ليس فقط بالمغرب بل في جل الدول العربية تونس و مصر… الخ ، كان لها بعد كبير حتى من الجانب النظري. و كأن الشباب قد اطلعوا على ما لاحظه و سجله ابن خلدون في مقدمته حيث أكد على أن الذي يجمع بين المال والجاه أكثر ثروة من ذلك الذي يفتقر إلي الجاه والنفوذ ، ويري أن صاحب النفوذ يتقرب إليه الناس المحتاجون إلي جاهه، ويقدمون له الأموال والخدمات ، ويكتفي ذاتيا بجميع حاجاته الضرورية وكمالياته بدون أن يدفع مقابلا ماديا لما يؤخذ ، والناس يستفيدون في المقابل من نفوذه وجاهه وسلطته، وهو لا يكتفي بأن يعيش بلا مقابل ومجانا ويوفر نفقاته، بل يضيف إلي ذلك استخدام نفوذه في أعمال تدر عليه دخلا إضافيا ، ويستخدم نفوذه في رواج تلك الأعمال وتزداد مكاسبه في أسرع وقت . و بعد تحول الاقتصاد إلى مجال المبني على المعرفة knowledge economy ، الذي ساهم في بنائه إبداعات و ابتكارات الشبابbill Gates, Steve Jobs, Mark Zuckerberg. ، لا يمكن فيه جعل اقتصاد مبني على المعرفة منتج بوجود السلطوية و الاستبداد و الاحتكار في جل المجالات، و هذا ما أكدته أطروحة أمارتيا صن التي دافع فيها على فكرة مركزية مفادها أن الحرية و الديمقراطية هما اللتان تساهمان في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وعادل، يتحول بفضل الحكامة الرشيدة و المقاربة الإنسانية إلى تنمية بشرية مستدامة توسع من خيارات الناس .

هذه الخيارات هي التي لم يستطع الاقتصاد الوطني توسيعها في وجه الشباب، فعندما يتخرجون هؤلاء من الجامعات و المدارس العليا لا يجدون فرص كثيرة بسبب ضعف التنافسية للاقتصاد الوطني و عدم قدرته على خلق فرص الشغل للشباب. هذا الوضع دفع الشباب إلى المطالبة بالفصل بين السلطة و الثروة و رفع الاحتكار و العمل على إرساء ضمانات التنافسية و تشجيع المبادرات المقاولتية الشبابية.

في مواجهة الاستبداد و غياب مبدأ فصل للسطات حقيقي رفع الشباب مطلب "ملكية برلمانية" حيث يقوم النظام على فصل السلطات، وإن كان هناك تداخل قوي وتكامل حيوي بين الحكومة والبرلمان، فهي منبثقة عنه، أيْ أنَّها تُعبر عن موقف الأغلبية داخل البرلمان لكنَّها في الوقت نفسه مسؤولة أمامه وتخضع للمساءلة عن برنامجها السياسي، كما يمكن للبرلمان أنْ يَحجب ثقته عن الحكومة إذا ما تحققَ النصاب القانوني لذلك.

من ميزات الملكية البرلمانية أيضا الفصل الكامل للسلطات، إذ تتمتع الحكومة والبرلمان باستقلال ذاتي لكل واحد عن الآخر، أما الملك فيتمتع بمكانته الرمزية والقيمية، بوصفه ممثل الدولة وضامن الدستور، وهو من يُكلف زعيم الأغلبية (حزب أو ائتلاف سياسي) بتشكيل الحكومة ويُصادق على تسمية الوزراء وتعيين الحكومة، لكنَّ صلاحياته في هذا الصدد تتوقف عند هذه الحدود .

فليس للملك فيه قرارُ إعلان الحرب أو التدخل في تدبير الشأن الحكومي أو التأثير في التوجهات الحكومية، حتى وإنْ لم يرضَ عنها، بحكم أنَّ القرارات المصيرية تهم مستقبلَ الأمة بأسرها، وبالتالي لا يُمكن الحسم فيها إلا من قبل الحكومة المفوضة شعبيا عبر الاقتراع العام المباشر. وتحريم الخوض في الشأن السياسي على العاهل تُمليه أولا طبيعة النظام البرلماني، ثم دور العاهل كحَكم بين القوى السياسية، مما يَمنع عليه تنبني أي موقف قد يُفهم منه تصريحا أو تلميحا دعما معينا لجهةٍ سياسية على حساب أخرى، أي أن يكون محايدا بين الفرقاء السياسيين.

يقر دستور فاتح يوليوز في فصله الأول في بابه الأول المخصص للأحكام العامة بأن "نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية" إلا أنه لم يصل بعد إلى الملكية البرلمانية كما تم تعريفها سابقا. فالنظام الملكي البرلماني هو في الواقع مرحلة متقدمة من "دمقرطة" الملكية الدستورية بإخضاعها أكثر لمفهوم السيادة الشعبية المعبر عنها بالاقتراع العام المباشر. فرغم أن الملك يمارس عدة اختصاصات بصفته رئيسا للدولة أو أميرا للمؤمنين فهو لا يخضع للمساءلة، بل أن خطاباته غير قابلة للمناقشة في البرلمان، فهي تلعب دور الموجه و المرجع للفاعلين الآخرين. فلا يخلو خطاب أو تصريح أي فاعل من القول: "تبعا للتوجيهات أو الخطابات السامية للجلالة المملك" و أصبحت هذه المقولة كتكتيك لشرعنة الأفعال و المبادرات جعلت الملك في خطاب العرش الأخير أن يلفت انتباه المسؤولين لهذا المعطى و بأنه لا يجب عليهم التخفي وراء الملك للتهرب من المسؤولية، حيث قال:" فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للإستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة.

أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه."

الشباب ليس لديهم أي اعتراض على النظام الملكي بالمغرب، مطلبهم هو أن تكون جميع المؤسسات و الفاعلين السياسيين خاضعين للإرادة الشعبية و مساءلة البرلمان الذي يمثل تلك الإرادة. فهو يريد دولة للقانون لا دولة قانونية يكون فيها القانون في خدمة المواطنين لا خادما طيعا في يد الدولة و يريد أيضا دولة المؤسسات لا دولة تتكاثر فيها المؤسسات ، بمفهوم المنشآت.

و في ظل غياب ديمقراطية حقيقية طالب الشباب بضرورة إرساء قواعد نظام ديمقراطي حقيقي من خلال رفعهم شعار:" الديمقراطية هنا و الآن"و "الديمقراطية اليوم و ليس غدا" إن الشباب المغربي مؤمن بقوة بالديمقراطية و بضرورتها، و بأنها النظام الوحيد الكفيل بأن يجيب عل انتظاراتهم و تطلعاتهم، و الذي بمقدوره تحقيق التنمية البشرية المستدامة التي تجعل من الإنسان المغربي في قلب السياسات التنموية. و يعتبر الشباب مطلب الإصلاح السياسي و دمقرطة الحياة السياسية مطلبا لا يقبل التأخير و التعجيل و التسويف، فلا وقت للانتظار و الالتفاف على القيام بإجراءات إصلاحية حقيقية لإخراج المغرب من الاختلالات التي يعيشها على كافة المستويات: التعليم ، القضاء، الصحة، الحكامة، الإدارة، ...

في ختام هذه الفقرة، يمكن التأكيد على أن الشباب المغربي المؤمن بالديمقراطية كخيار استراتجي لم يكن يسوق من خلال شعاراته الاحتجاجية لخطاب تشخيصي يروم التنديد بالأوضاع و المسؤولين عنها فقط، و إنما كان يحمل أيضا مبادرات و مقترحات إصلاحية جعلها منها مداخل ضرورية ليساهم بقوة في مسار التحول الديمقراطي بالمغرب.

و كخلاصة لهذا المساهمة الذي خصصناه للوقوف على وسائل الاحتجاج لدى الشباب المغربي و تحليل الشعارات التي رفعها في فعله الاحتجاجي، يمكن أن نؤكد بان الاحتجاج كسلوك مدني جعل الباحثين و حتى المسؤولين ان يعيدوا النظر في مقارباتهم للتعاطي مع السياسة العامة التي تهم الشباب و كذا تجاوز حصر مشاركة الشباب في الحياة السياسية في ظاهرة العزوف. لقد أظهر الشباب من خلال الفعل الاحتجاجي بأنه كائن سياسي و بأن واع بوضعه و شروط عيشه و عدم رضاه عنها، و بأنه يحاول أن يساهم في تغييرها إلى الأحسن من خلال تحقيق الديمقراطية التي تتأسس على المشاركة المواطنة و حقوق الإنسان.

و أمام ضعف دور الوسائط و المؤسسات التقليدية للمشاركة و التأطير و التنشئة و جد الشباب المغربي في تكنولوجيا الإعلام و التواصل الجديدة بديلا لخلق نوع جديد من المشاركة، و استطاع أن يوظفها لإسماع صوته، و التعبير عن رأيه في مجموعة من القضايا التي تهمه. فالكل يعتقد جازما بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت بشكل كبير و ملموس في الحراك الذي عرفه المغرب و غيره من الدول العربية. خاصة في التعبئة للاحتجاج و رفع المطالب و إيصالها بشكل مباشر لمن يهمه الأمر، من خلال النزول إلى الشارع الحاضن للديمقراطية في مهدها.



و أخيرا و ليس آخرا يبقى الاحتجاج ظاهرة صحية و إحدى خيارات مشاركة القوى الشبابية كمكون أساسي للمجتمع المدني في المدينة السياسية، التي تؤمن بمقولة :"أنا أحتج إذن أنا موجود"

المراجع:

• أمارتيا صن: "التنمية حرية" (عالم المعرفة) ترجمة: شوقي جلال ماي 2004، العدد 303، الكويت،2004 • طارق حسن:"في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية، المواطنة، مدنية الدولة و نظام الحكم" مجلة حوارات : النخب المغاربية و أسئلة الإصلاح. سلسلة ندوات و منتديات العدد 3-4 سنة 2015. • مونشيح محمد:" الاصلاح الدستوري: بين النخبة الحزبية و شباب حركة 20 فبراير" مجلة حوارات : النخب المغاربية و أسئلة الإصلاح. سلسلة ندوات و منتديات العدد 3-4 سنة 2015. • زارو عبدالله، الشيخ والمريد: البنية المارقة ، مطبعة أفريقيا الشرق، الدار البيضاء 2014 • العلاوي، إبراهيم: الربيع العربي بالمغرب : حالة "20 فبراير": مجلة القانون المغربي : . - ع. 32، 2016، ص. 169-183. - الرباط : مطبعة دار السلام، 2016. • Villiers, Michel de « Dictionnaire de droit constitutionnel » Paris: A. Colin, 1999 • Bensalah, Mounir "Réseaux sociaux et révolutions arabes ?" éd.Michalon paris 2012 • Villiers, Michel de « Dictionnaire de droit constitutionnel » Paris: A. Colin, 1999 • Yasser ABDELAZIZ : Etude linguistique du slogan révolutionnaire égyptienne (La révolution d'Egypte du 25 janvier 2011) Master en science de langage soutenu à l’Université Mentouri de Constantine- Algérie - 2011 ويبوغرافيا • بنيس سعيد، الأنساق المفاهيمية الجديدة لمفهوم " الحكرة" www.cerss ma.org/cerss- • صبحي منصور، آحمد :"ابن خلدون في مقدمته العلاقة بين السلطة والثرو ة " http://www.ahl-alquran.com • Alpha Ousmane Barry, Les bases théoriques en analyse du discours : https://depot.erudit.org • Vers les sociétés du savoir, rapport mondial de l’Unesco, http://unesdoc.unesco.org/ • تقديم للدراسة حول الاحتجاج السلمي: http://www.cndh.ma/ar/ldrst/drs-.